علي بن أحمد المهائمي

25

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

اعمال القلب لارتباط بينهما فالانسان مخلوق للمعرفة والعبادة فلواخل بشئ منهما لم يكن انسانا بالحقيقة ولما عارض العقل في ذلك الوهم والخيال أيده بالشرع فلو فقد عجز العقل عن ادراك أكثر الأمور فالعقل بصر والشرع شعاع * الثالث الانسان يفتقر في تعيشه إلى معاونة ومعاملة لا يتم الا بالعدل ولا يتفق عليه ما لم يعلم كونه من اللّه ولا يتم الا برجاء الثواب وخوف العقاب ولا يتمان الا بما يذكر الاله على التكرير والذكر القلبي انما يتم بافعال الجوارح * الرابع ان الكمال الانساني أن تنجلى مرآة قلبه فيحاذى شطر الحق ويلحق بأفق الملائكة والا تراكم الخبث على مرآة القلب باتباع الشهوات المظلمة فيلحق بأفق البهائم ولا ينجلى الا بالمجاهدة وهي بالعبادة القامعة ظلمات الاهوية التي هي امراض القلب المؤلمة عند مفارقة الروح من البدن فالعبادات أدويتها تنير القلب بالمشاهدة وتشرف اللسان بالذكر وتزين الأعضاء بالخدمة وهي وان كانت تذللا في الظاهر فباطنها عز وتجمل ويكفى في ذلك انها اشتغال بالحق وفيه كمال لذة العارفين وبه تقرّ أعينهم وتسر قلوبهم وتريح أرواحهم والسر في الاستعانة من وجوه * الأول ان العبادة وان كانت كسبا للعبد فهي بخواطر لا يشعر بها العبد قبل وقوعها فهي باحداث اللّه وكذا العلم بنفعها وضررها ولا يلجئ إلى الفعل ما لم يكن راسخا ولا قدرة للعبد في ذلك فهو بعون اللّه تعالى وانما هو في الغالب للمستعين به * الثاني العقل يختار الأصلح في العواقب وان كان فيه مشقة ومؤنة في الحال والهوى يؤثر ما يدفع الأذى في الحال وتعمى عليه العواقب فيتنازعان ويكون الترجيح غالبا لجند الهوى لسبقه واستقراره بمملكة القلب فلا يمكن ازعاجه الابعون اللّه تعالى * الثالث العبادة لا تتيسر الا برفع العوائق الدنيا والخلق والشيطان والنفس ورفع العوارض الرزق والاخطار والمصائب وأنواع القضاء ورفع القوادح الرياء والعجب وغيرهما وبتحقيق البواعث الخوف والرجاء وكل ذلك عقبة شاقة لا يتيسر قطعها الا بعون اللّه تعالى وتوفيقه * وقدم العبادة لأنها وسيلة والاستعانة حاجة على أن أهم ما نستعين له اتمام العبادة واتمام الشئ يشبه لو احقه فأقيم سببه مقامه وفيه إشارة إلى أنه انما يعين العابد إذا استعان به وأنه لا بد من الاستعانة به فيها وفي جميع الأحوال وترتب العبادة على مالك يوم الدين لأنها ان كانت لطلب الثواب والهرب من العقاب فلا يكونان الا يومئذ وان كانت لمشاهدة الرب فلا يتم الا هناك وترتب الاستعانة عليه لأنها اما لخوف تلف الثواب أو انقلاب سببه سببا للعقاب أو لخوف الحجاب ولو بالعبادة عن المعبود وانما يتم رفعه يومئذ وعلى الرحمن الرحيم بواسطته لأنها شكر النعم السابقة لتصير سببا للمزيد إلى الأبد وذلك بالإعانة المستمرة إلى ذلك اليوم وعلى رب العالمين بواسطة الكل لان الربوبية تستحق العبادة سيما إذا رحم سيما إذا رتب عليه الجزاء والإعانة حق الربوبية نظرا إلى رحمته بالمستعين به خوفا من التلف الظاهر يومئذ وعلى اللّه بواسطة الكل لأنه انما يستحقها بواسطة الربوبية وهو انما يتم بما بعدها وتقديم إياك للتنبيه على عظمة اللّه ليعبد على الخشية فلا يلتفت يمينا وشمالا ولان الابتداء بذكر المعبود أولى من الابتداء